ان حالة التشردم الذي تعيشه مكونات الحركة الأمازيغية في شمال افريقيا ، تحول دون تحقيق التكامل الواعي بينها. فرغم إجماعها حول الهدف العام – إنصاف الأمازيغية واعادة الاعتبار لها هوية ولغة وثقافة وتاريخ وانتماء والأهداف المتفرعة عنه، يستطيع كل متتبع للعمل الأمازيغي أن يدرك بأن هناك الكثير من الأهداف المشتركة وغير قليل من المصالح المتباينة. إن تباين المصالح بين الجمعيات والأفراد داخل الحركة الأمازيغية وغياب آليات عقلانية لتدبير ذاك التباين، حول التناقضات الثانوية إلى تناقضات رئيسية، وشجع على الإنقسامية، وحل الشك والخلاف مكان الثقة والإختلاف، واستحال معه العمل المشترك. الحركة الأمازيغية اليوم أرخبيل، صحيح أنه ممتد، لكنه هش، جزره المشتتة توجد اليوم تحت رحمة الإنحباس المصالحي والأمواج غير المألوفة. لقد غاب عن الفاعل الأمازيغي بأن قوة الحركات المركبة كالحركة الأمازيغية تكمن في الإحاطة بالدلالات الوظيفية لتعدد مكوناتها وتعدد الاختيارات داخلها وحسن ادارتها لها، وبأن ضعفها يكمن في وضعية العمى الجماعي الذي تعاني منه.
تعيش الحركة الامازيغية أزمة خطاب وتنظير وهذا لا شك فيه ، فقد تعطل العقل الأمازيغي وعجز عن مواكبة التطورات المتلاحقة وطنيا قاريا ودوليا. فذات العقل الذي وظف فلسفة الإختلاف وبلور بدائل ومقاربات ناجعة لتدبير ملف التعدد اللغوي والثقافي وأزمة الهوية والانتماء ببلدان شمال افريقيا وما انعكس عنها من استلاب فكري ومعرفي وهشاشة اقتصادية وانخرام البنى الاجتماعية ، وجعل من الحركة الأمازيغية قوة اقتراحية حقيقية، تعطلت لديه ملكة الإبداع.
ظلت مطالب وأهداف الحركة الأمازيغية واضحة منذ ميلادها حتى بداية الألفية الثانية. فالتيمات التي اشتغلت عليها وترابطها الجدلي – اللغة، الثقافة، الهوية ،الانتماء والعدالة والتنمية – جعلت من قوة الحجة لديها سلاحا تواجه به حجة القوة لدى الدولة ولدى المناوئين لها من المجتمع المدني والسياسي. لكن منذ بداية الألفية الثانية تعرض الخطاب الامازيغي لعملية تعويم، حيث الحقت به قسرا نزعات الحكم الذاتي وانفصال الجماعات المجالية أو المناطقية التي تدفع بها بعض الاطراف الاجنبية مع عدم دراية والمام الساهرين عليها في الداخل ، وطموحات العلمانيين بخلفيات مستوردة ومسقطة واحيانا في غير محلها وممسوخة وغيرها من التيمات التي شوهت الخطاب الامازيغي المؤسس وانحرفت به بعيدا عن الأهداف التي من أجلها بلور. وقد نتج عن هذا التعويم والإنحراف، إغراق الأهداف المؤسسة اللغة، الثقافة، الهوية والانتماء والعدالة والتنمية والحرية والديمقراطية في بحر من القضايا وأشباه القضايا، والتفاصيل وتفاصيل التفاصيل. من حق البعض أن يناضل من أجل “الحكم ذاتي” أو النظام الفدرالي، ومن حق البعض الآخر أن يكون علمانيا لكن بخلفية وطنية أمازيغية أولا، ولكن ليس من حقهم جميعا توظيف الأمازيغية كمشترك جماعي للشمال افريقيين في معاركهم، ليس من حقهم الإنحراف بالنضال الأمازيغي عن أهدافه المؤسسة.
من تجليات أزمة الخطاب وتعويمه والإنحراف به، نزوع بعض مكونات الحركة الأمازيغية إلى القفز على الشعار المؤسس “الأمازيغية مسؤولية وطنية ومسؤولية الجميع”، أصبح لديها اقتناع بأن الأمازيغية ملك فقط لمن يعمل من أجلها ويقاسمها نفس القيم. لا يمكن أن يشك أحد في النوايا الطيبة لهذا البعض، لكن الطريق إلى الجحيم غالبا ما يكون مفروشا بالنوايا الطيبة. احتكار الملف الأمازيغي من طرف بعض الأمازيغيين، يعني بكل بساطة حصرها في “غيتو ثقافي ولغوي بئيس”، وإقبار لمشروع تملك كل الشمال افريقيين للغتهم وثقافتهم في إطار المصالحة مع الذات، الذي بدونه (التملك) سنعود بالأمازيغية إلى المربع الأول، لغة وثقافة هامش مهددة بالإنقراض.
كان العقل الأمازيغي ينهل من التراكم المعرفي والقيمي للمجتمع الأمازيغي، وكان منفتحا على كل ما وصلته العبقرية الإنسانية من رقي معرفي وقيمي، وانعكس ذلك على مطالبها بالحرية والمدنية والديمقراطية والمساواة والعدالة والكرامة وإحقاق الحقوق والتوزيع العادل للثروة والتنمية، حتى استحقت معه أن تكون تعبيرا محليا لمطالب كونية. اليوم وأمام كل المياه التي سارت تحت الجسر، وبعد ما تغير في المشهد منذ سنة 2011، لم تجدد مكونات الحركة الأمازيغية قراءتها للواقع الوطني والاقليمي والدولي، واختلط لديها ما هو تكتيكي بما هو استراتيجي والغايات بالوسائل. هناك الكثير من ما يجب مراجعته في الخطاب الأمازيغي اليوم، بدءا بالسؤال المؤسس “من نحن؟” وصولا إلى تحديد “ماذا نريد؟”. أهمية إعادة التفكير في سؤال الهوية نابع من حاجتنا إلى إجابات في خدمة بناء المواطنة والعيش المشترك في وطن حر ومستقل ديمقراطي متصالح مع هويته وانتماءه مؤسسات وافرادا ، إنه البوصلة التي بدونها قد نختار الطريق الخطأ في أحسن الأحوال والجحيم سبيلا في أسوئها. من شأن تلك المراجعات أيضا تخليص الحركة الأمازيغية من الأثقال الزائدة عن اللزوم، لا يمكنها أن تتحمل ملفات الحكم الذاتي والعلمانية الممسوخة والمهجنة وغيرها من الملفات التي زرعت في جسمها حتى أصبحت أشبه بحصان طروادة. الفاعل الأمازيغي اليوم أشبه بمن يريد تشغيل سفينة شحن كبيرة باستعمال محرك سيارة من الحجم الصغير.
